وفاة النبى صلى الله عليه وسلم و الساعات الأخيرة من حياته وأهم وصاياه

يوم وفاة رسول الله.. صلى الله عليه وسلم - كان يومًا مشهودًا في حياة البشرية حين اتجه الحبيب محمد للرفيق الأعلى مودعًا دنيانا في يوم الاثنين من ربيع الأول للسنة الحادية عشرة (11) هـ؛ فقد حزن أهل الأرض من المسلمين لحرمانهم من رؤية أعز الخلق، ومن حَمَل لهم رسائل الوحي والحكمة التي أنارت طريقهم بعد طول ظلام، أما أهل السماء فكانوا فرحين باستقبال الروح الزكية، والتي ما انقطعت عن ذكر ربها ولا عصته، وجاهدت فيه حق الجهاد، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على أُمته، حتى في أصعب الظروف والمواقف، فعندما دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- في مرض الموت، واشتدّ عليه الأمر، أوصى أمته بعددٍ من الوصايا، ونقدم لكم  أبرز وصايا النبى – صلى الله عليه وسلم- لأمته قبل وفاته.

تاريخ ومكان وفاة النبي

تُوفّي سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم يوم الاثنين الموافق 12 من ربيع الأوّل، في العام الحادي عشر للهجرة، أي ما يوافق العام 633 ميلادي من شهر ، وكان له -صلّى الله عليه وسلّم- من العُمر ثلاثة وستون عامًا، وقد خُلِّد موته علامةً من أشراط الساعة، ودليل ذلك ما رواه الإمام البخاريّ عن عوف بن مالك الأشجعيّ أنّه قال: (أَتَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وهو في قُبَّةٍ مِن أَدَمٍ، فَقالَ: اعْدُدْ سِتًّا بيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي...)، وكانت وفاة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في المدينة المنورة، في حُجرة السيدة عائشة -رضي الله عنها-، بل جاء بالخبر الصحيح أنّه قُبض -عليه الصلاة والسلام- ورأسه على فخذ عائشة رضي الله عنها.

تغسيل النبي ودفنه 

1) صفة غسله وكفنه 

غسّل النبيَّ -صلّى الله عليه وسلّم- بعد وفاته أهلُ بيته، وعُصبته من بني هاشم، وهم: ابن عمّه علي بن أبي طالب، وعمّه العبّاس مع ابنَيه: الفضل، وقثم، وأسامة بن زيد، وشقران مولى النبيّ -رضي الله عنهم جميعًا-، وتمّ تغسيله، وثيابه عليه، ولم تُنزَع عنه، فقد رُوِي عن السيّدة عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: (لمَّا أرادوا غسلَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالوا: واللَّهِ ما ندري أنُجرِّدُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ من ثيابِهِ كما نجرِّدُ مَوتانا، أم نَغسلُهُ وعلَيهِ ثيابُهُ؟ فلمَّا اختَلفوا ألقى اللَّهُ عليهمُ النَّومَ حتَّى ما منهم رجلٌ إلَّا وذقنُهُ في صَدرِهِ، ثمَّ كلَّمَهُم مُكَلِّمٌ من ناحيةِ البيتِ لا يَدرونَ من هوَ: أن اغسِلوا النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وعلَيهِ ثيابُهُ)، وباشر عليّ غسلَ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وحده، وأسنده إلى صدره، وكان يقول وهو يُغسّله: "ما أطيبك يا رسول الله حيًّا وميتًا"، أمّا العبّاس وابناه: الفضل، وقثم فكانوا يُقلّبون النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وكان أسامة وشقران يصبّان الماء، وشَهد الغسل أوس بن خولي من بني عمرو بن عوف من الخزرج؛ فقد طلب ذلك من عليّ فأذن له، وتمّ تكفين النبيّ -صلّى الله عله وسلّم- بثلاثة أثوابٍ من القطن دون نزع ثيابه عنه -كما سبق الذِّكر-.

2) الصلاة على النبيّ ودفنه
بعد أن انتهى الصحابة -رضي الله عنهم- من تغسيل النبيّ -صلى الله عليه وسلّم-، وتكفينه، وضعوه في بيته على سريره؛ ليُصلّى عليه، وقد صلّى عليه المسلمون فُرادى من غير إمامٍ يؤمّهم؛ بحيث تدخل جماعةٌ من الناس تصلّي عليه وتخرج، فصلّى عليه الرجال، ثمّ النساء، ثمّ الصبيان، وقد دُفِن النبيّ في مكان فراشه في المكان الذي قبض الله فيه روحه الطاهرة، وتمّ إدخال النبيّ إلى القبر من جهة القبلة، وجُعِل قبره مُسطَّحًا غير بارزٍ، ورشّ بلال بن رباح -رضي الله عنه- الماء على قبره ابتداءً بالشقّ الأيمن لرأس النبيّ الكريم، وانتهاءً بقدميه الشريفتَين، وكان الدفن ليلة الأربعاء، وقد نزل في قبره: علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وأخوه قثم، وشقران مولى النبي، وقيل أسامة بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا هم من دفنوا النبي.

مرض النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

لمّا بدأ مرض النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أصابه صُداعٌ شديدٌ في رأسه وهو عائدٌ من جنازةٍ كانت في البقيع، حتى إنّه وضع عصابةً على رأسه من شدّة الألم، وحينما اشتدّ به الألم استأذن أزواجه أن يقضي فترة مرضه عند عائشة، فأخذه الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب إلى حجرتها، وقبل خمسة أيّام من وفاته ارتفعت حرارة جسمه، واشتدّ عليه المرض، ثمّ أحسّ بخفّة في جسمه؛ فدخل المسجد وعلى رأسه عصابة، وخطب بالناس وهو جالسٌ على منبره، وصلّى بهم الظهر.

وقد صلّى النبيّ بالمسلمين الصلوات جميعها حتى يوم الخميس قبل وفاته بأربعة أيّامٍ، ولمّا حضرت صلاة عشاء الخميس اشتدّ المرض عليه، فسأل عن صلاة الناس مرارًا بعدما غُمي عليه، فأخبروه أنّهم ينتظرونه، ثمّ أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، حيث قالت عائشة -رضي الله عنها-: (ثَقُلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَالَ: أصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: ضَعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثُمَّ أفَاقَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثُمَّ أفَاقَ، فَقَالَ: أصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رَسولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ضَعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ، فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثُمَّ أفَاقَ فَقَالَ: أصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رَسولَ اللَّهِ، والنَّاسُ عُكُوفٌ في المَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ النبيَّ عليه السَّلَامُ لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فأرْسَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى أبِي بَكْرٍ بأَنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فأتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْمُرُكَ أنْ تُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ -وكانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يا عُمَرُ صَلِّ بالنَّاسِ، فَقَالَ له عُمَرُ: أنْتَ أحَقُّ بذلكَ، فَصَلَّى أبو بَكْرٍ تِلكَ الأيَّامَ)، وقبل يومَين من وفاته كان النبيّ قد وجد تحسُّنًا في جسمه، فخرج إلى المسجد، وكان أبو بكرٍ -رضي الله عنه- يُصلّي بالناس، فلمّا رآه أبو بكرٍ قدّمه للإمامة بالمسلمين، فأشار إليه النبيّ بألّا يتأخّر، وقد صلّى أبو بكرٍ سبع عشرة صلاة في حياة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-.


الساعات الأخيرة من حياة النبي 

صوّرت الساعات الأخيرة التي سبقت وفاة أعظم البشر مواقف حاسمةً للغاية؛ أوّلها عندما كان المسلمون يصلّون صبيحة فجر يوم الاثنين وكان إمامهم أبو بكرٍ، فحلّت إطلالةٌ باسمةٌ من وجه النبيّ الكريم عليهم بعدما كشف ستارة حجرة عائشة، وثانيها عند ارتفاع شمس الضحى، إذ أمر النبيّ بحضور ابنته فاطمة -رضي الله عنها- إليه، وأسرّ إليها فبكت، ثمّ أسرّ إليها أخرى فضحكت؛ فكانت الأولى إخبارها بأنّه سينتقل إلى الرفيق الأعلى، أمّا الثانية فقد أخبرها بأنّها أوّل أهل بيته لحاقًا به، وبأنّها سيّدة نساء العالَمين، وثالثها دعوته للحسين والحسن، وتقبيلهما، وتوصيته بهما حُسنًا، ورابعها دعوته لنسائه، ووعظهنّ.

علامات اقتراب أجل النبي

- ما روته عائشة -رضي الله عنها- من قول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لابنته فاطمة -رضي الله عنها- عندما جاءت إليه، وأجلسها إلى جانبه، حيث قالت: (إنَّا كُنَّا أزْوَاجَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِنْدَهُ جَمِيعًا، لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا واحِدَةٌ، فأقْبَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ تَمْشِي، لا واللَّهِ ما تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِن مِشْيَةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ: مَرْحَبًا بابْنَتي ثُمَّ أجْلَسَهَا عن يَمِينِهِ أوْ عن شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَإِذَا هي تَضْحَكُ، فَقُلتُ لَهَا أنَا مِن بَيْنِ نِسَائِهِ: خَصَّكِ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالسِّرِّ مِن بَيْنِنَا، ثُمَّ أنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَأَلْتُهَا: عَمَّا سَارَّكِ؟ قَالَتْ: ما كُنْتُ لِأُفْشِيَ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، قُلتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بما لي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ لَمَّا أخْبَرْتِنِي، قَالَتْ: أمَّا الآنَ فَنَعَمْ، فأخْبَرَتْنِي، قَالَتْ: أمَّا حِينَ سَارَّنِي في الأمْرِ الأوَّلِ، فإنَّه أخْبَرَنِي: أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُهُ بالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّه قدْ عَارَضَنِي به العَامَ مَرَّتَيْنِ، ولَا أرَى الأجَلَ إلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي، فإنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أنَا لَكِ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الذي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: يا فَاطِمَةُ، ألَا تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ، أوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هذِه الأُمَّةِ). 

- ما رآه العبّاس -رضي الله عنه- في رؤيا يُشير تفسيرها كما أخبره النبيّ إلى قُرب وفاته، فقد ثبت عن العبّاس -رضي الله عنه- أنه قال: (رأَيْتُ في المنامِ كأنَّ الأرضَ تنزِعُ إلى السَّماءِ بأَشْطانٍ شِدادٍ، فقصَصْتُ ذلك على رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، فقال: ذاك وفاةُ ابنِ أخيك).

- حديث النبيّ مع معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن، فأخبره بما يدلّ على اقتراب أجله، إذ قال: (يا معاذُ إنَّك عسى ألَّا تَلقاني بعدَ عامي هذا لعلَّك أنْ تمُرَّ بمسجدي وقبري)

- ما رواه العرباض بن سارية من حديث النبيّ بقوله: (صلّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوبُ، فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ كأنّ هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ...)

وصايا النبي قبل وفاته 
١- إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفود بمثل ما كان يجيزها هو، مصداقًا لما رُوي عنه، أنّه قال: (أخرِجوا المشرِكينَ من جزيرة العرب، وأجيزوا الوَفدَ بِنحو ما كنتُ أُجيزُهم).

٢- الإحسان للأنصار: كان الأنصار من أشدّ الناس حبًا لرسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- ، فلمّا بلغهم مرضه، اجتمعوا في أحد مجالسهم، يبكون حزنًا واشتياقًا لرؤيته، فمرّ بهم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، فقال لهم: (ما يُبكيكم؟)، قالوا: (ذكرنا مجلس النبي -صلّى الله عليه وسلّم- منّا)، فتوجّه العباس -رضي الله عنه- إلى النبي، وأخبره بذلك، فخرج إلى المسجد عاصبًا رأسه بعصابةٍ سوداء، ثمّ صعد المنبر، وكانت آخر مرةٍ يصعد فيها المنبر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثمّ قال: (أوصيكم بالأنصارِ، فإنهم كَرِشي وعَيبَتي، وقد قَضَوا الذي عليهم وبَقيَ الذي لهم، فاقبَلوا من مُحسِنِهم وتجاوَزوا عن مُسيئِهم).

٣- انتهاء مبشّرات النبوة إلّا الرؤيا: روى عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما-، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كشف الستار وهو معصوب الرأس في مرض موته، وقال: (اللَّهمَّ قد بلَّغتُ ـ ثلاثَ مرَّاتٍـ إنَّهُ لم يبقَ من مبشِّراتِ النُّبوَّةِ إلَّا الرُّؤيا الصَّالحةُ يراها العبدُ أو ترى لَه، ألا وإنِّي قد نُهيتُ عنِ القراءةِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ، فإذا رَكعتُم فعظِّموا ربَّكم وإذا سجدتُم فاجتَهدوا في الدُّعاءِ فإنَّهُ قمنٌ أن يستجابَ لَكم).

٤-إحسان الظن بالله: فقد روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه-، أنّه سمع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قبل وفاته بثلاثة أيامٍ، وهو يقول: (لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسنُ الظنَّ باللهِ عزَّ وجلَّ).

٥- التحذير من اتخاذ قبره مسجدًا: فكان من أواخر وصايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، التحذير من اتخاذ قبره للصلاة، حيث قال: (قاتَلَ اللهُ اليهودَ و النَّصارَى اتَّخذُوا قُبورَ أنْبيائِهِمْ مَساجِدَ، لا يَبْقَيَنِّ دِينانِ بِأرْضِ العَرَبِ).

٦-المحافظة على الصلاة: أخبر أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّ آخر كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان: (الصَّلاةَ وما ملكت أيمانُكم، الصَّلاةَ وما مَلَكت أيمانُكم)، حتى أخذ يغرغر بها صدره، ولا يفيض بها لسانه. 

وصايا النبي في حجة الوداع
أجمل رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- القواعد الأساسية لبناء الأمة الإسلامية على شكل نصائح، وجّهها لصحابته -رضي الله عنهم- خلال خطبته في حجة الوداع، ومنها:

١- دستور الأمة الإسلامية القرآن والسنة: وصى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الأمة من بعده بالتمسّك بكتاب الله، وسنته، ووعدهم بالهدى واجتناب الضلال طالما اعتصموا به، حيث قال: (إنّي قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ، وسُنَّةَ نبيِّه)؛ فالقرآن الكريم كلام الله -تعالى- الذي أنزله ليكون منهاجًا للبشر، فلا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وقد صاغه المولى -عزّ وجلّ- ليتناسب مع كلّ مكانٍ وزمانٍ، وتحت أي ظرفٍ، وما ترك من صغيرةٍ ولا كبيرةٍ إلّا وشملها.

٢- الوحدة والمساواة بين المسلمين: حيث قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم-: (ألا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفس)،ويرجع السبب في اهتمام النبي بالوحدة والمساواة إلى أنّ قيام الأمة، وتحقيق معيّة الله -عزّ وجلّ-، ونزول نصره لا يتم إلّا بها، وقد زرع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- هذه المبادئ في نفوس المسلمين منذ اليوم الأول من دعوته في مكة، حيث كان يأمرهم بعتق العبيد، وعند الهجرة إلى المدينة المنورة آخى بين المهاجرين والأنصار، وكتب الميثاق بين الأوس.
0 2:16:00 م
اﻹسراء و المعراج ..رحلة النبى صلى الله عليه وسلم إلى السماء (الجزء الرابع )


ولقد ارتد بعض من ضعاف الإيمان ،فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت :

" لما أُسرِيَ بالنبي صلي الله عليه وسلم ِّ إلى المسجدِ الأقْصى ، أصبح يتحدَّثُ الناسُ بذلك ، فارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به ، و صدَّقوه ، و سَعَوْا بذلك إلى أبي بكرٍ

فقالوا : هل لك إلى صاحبِك يزعم أنه أُسرِيَ به الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ ؟

قال : أو قال ذلك ؟

قالوا : نعم

قال : لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ

قالوا : أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ و جاء قبل أن يُصبِحَ ؟

قال : نعم إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك ، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه ، فلذلك سُمِّي أبو بكٍر الصِّديقَ"      صححه الألباني

ثم عادت قريش تطالب النبي صلى الله عليه وسلم بأشياء يبرهن بها على صدق قوله ، فذكر لهم أنه مر ببني فلان وهم نيام ولهم اناء فيه ماء قد غطوه فكشف غطاءه و شرب ما فيه ثم غطاه كما كان و أخبرهم بان القافلة ستصل بعد مغيب شمس هذا اليوم يتقدمها جمل أورق عليه غرارتان أحدهما بيضاء و الأخرى برقاء, و بالفعل وصلت القافلة فى الوقت و على الهيئة التى اخبر عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم و سألتها قريش على أمر الاناء فأخبرتهم بما ذكره الرسول صلى الله عليه و سلم

و مع ذلك لم تصدق قريش الرسول صلي الله عليه وسلم , و عادت إلى أشد مما كانت عليه من الجمود و الصد و الاتهام
ويمكن القول بأن حادثة الإسراء كانت تطمينا ومواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،وفتنة للكافرين الذين زاد عنادهم وكفرهم، ولبعض ضعفاء الإيمان ممن زلزل الحادث إيمانهم ، فكفروا ولم يعودوا إلى حظيرة الإيمان حتى قتلوا     مسند أحمد

اقرأ أيضا :اﻹسراء و المعراج ..رحلة النبى صلى الله عليه وسلم إلى السماء (الجزء الثالث )
ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبيحة ليلة الإسراء جاءه جبريل عند الزوال فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فاجتمعوا وصلى به جبريل في ذلك اليوم إلى الغد، والمسلمون يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقتدي بجبريل

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" أَمَّنِي جبريلُ عليه السلامُ عندَ البيتِ مرتينِ ، فصلَّى الظهرَ في الأولَى منهما حينَ كان الفَيْءُ مثلَ الشراكِ ، ثُمَّ صلَّى العصرَ حينَ كان كُلُّ شيْءٍ مثلَ ظلِّهِ ، ثُمَّ صلَّى المغرِبَ حينَ وجَبَتِ الشمسُ وأفطرَ الصائِمُ ، ثُمَّ صلَّى العشاءَ حينَ غابَ الشفَقُ ، ثُمَّ صلَّى الفجرَ حينَ بَرَقَ الفجرُ وحُرِّمَ الطعامُ علَى الصائِمِ . وصلَّى المرَّةَ الثانِيَةَ الظهرَ حينَ كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَهُ ، لوقتِ العصرِ بالأمسِ ، ثُمَّ صلَّى العصرَ حينَ كانَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيْهِ ، ثُمَّ صلَّى المغرِبَ لوقتِهِ الأوَّلِ ، ثُمَّ صلَّى العشاءَ الآخرِةَ حينَ ذهبَ ثُلُثُ الليلِ ، ثُمَّ صلى الصبحَ حينَ أسفرَتِ الأرضُ . ثُمَّ التفَتَ إلَيَّ جبريلُ فقال : يا محمدُ ، هذا وقتُ الأنبياءِ مِنْ قبلِكَ ، والوقتُ فيما بينَ هذينِ الوقتينِ

الترمذي
1 7:07:00 م
اﻹسراء و المعراج ..رحلة النبى صلى الله عليه وسلم إلى السماء (الجزء الثالث )


وقد ذكر غير واحد من الصحابة والسيدة عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يرى ربه في رحلة الإسراء والمعراج ،فعن أبي ذر رضى الله عنه قال :

قلت يا رسول الله‏:‏ هل رأيت ربك‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‌‏(‏نورٌ أنَّى أراه‏)‌‏)‌‏.‏   وفي رواية‏:‏ ‏(‌‏(‏رأيت نوراً‏)‌‏)‌‏.‏ مسلم

قال ابن حبان : معناه أنه لم ير ربه ولكن رأى نورا علويا من الأنوار المخلوقة

و عن مسروق قال: (سألت عائشة رضي الله عنها ،هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟

فقالت: سبحان الله؛ لقد وقف شعري لما قلت

قالت: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.

قال: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني؛ ألم يقل الله عز وجل {ولقد رآه بالأفق المبين} {ولقد رآه نزلة أخرى}.

فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض.

فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} أو لم تسمع أن الله يقول {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} مسلم
كيف ستتلقى قريش هذا الخبر ،وهل ستصدقه بالتأكيد لا ،هذا ماكان يفكر به الرسول صلى الله عليه وسلم لما أصبح ،فعن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

لمَّا كان ليلةَ أُسْرِيَ بي وأصبحتُ بمكةَ فظعتُ بأمري وعرفتُ أنَّ الناسَ مُكذِّبيَّ فقعد معتزلًا حزينًا قال : فمرَّ عدوُّ اللهِ أبو جهلٍ فجاء حتى جلس إليهِ فقال لهُ كالمستهزئِ : هل كان من شيْءٍ

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :" نعم" ، قال : ما هو
اقرأ أيضا :اﻹسراء و المعراج ..رحلة النبى صلى الله عليه وسلم إلى السماء (الجزء الثانى)
قال : "إنَّهُ أُسْرِيَ بي الليلةَ " ، قال : إلى أين قال :" إلى بيتِ المقدس"ِ

قال : ثم أصبحتَ بين ظهرانيْنا ، قال :" نعم "

قال : فلم يَرَ أنَّهُ يكذبُهُ مخافةَ أن يجحدَهُ الحديثَ إذا دعا قومَهُ إليه ،ِ قال : أرأيتَ إن دعوتُ قومك تُحدِّثهم ما حدَّثتني

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :" نعم " ، فقال : هيَّا معشرَ بني كعبِ بنِ لؤيٍّ

قال : فانتفضتْ إليهِ المجالسُ وجاءوا حتى جلسوا إليهما ، قال : حدِّث قومك بما حدَّثتني

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :" إني أُسْرِيَ بي الليلةَ "

قالوا : إلى أين ؟

قالَ : "إلى بيتِ المقدس" ، ِ قالوا : ثم أصبحتَ بين ظهرانينا ، قال :" نعم "

قال : فمن بين مصفِّقٍ ومن بين واضعٍ يدَهُ على رأسِهِ متعجِّبًا للكذبِ

قالوا : وهل تستطيعُ أن تنعتَ لنا المسجدَ

وفي القومِ من قد سافرَ إلى ذلك البلدِ ورأى المسجدَ

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : "فذهبتُ أنعتُ فما زلتُ أنعتُ حتى التبس عليَّ بعضَ النعتِ" قال : "فجئ بالمسجدِ وأنا أنظرُ حتى وضع دون دارِ عقالٍ أو عقيلٍ فنعتُّهُ وأنا أنظرُ إليه"

قال : فقال القومُ : أما النعتُ فواللهِ لقد أصاب    مسند أحمد
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"لقد رأيتني في الحجْرِ . وقريشٌ تسألُنِي عن مسرايَ . فسألتني عن أشياءَ من بيتِ المقدسِ لم أثبتها . فكُرِبتُ كربةً ما كُربتُ مثلهاً قط

قال :فرفعهُ اللهُ لي أنظرُ إليهِ . ما يسألوني عن شيءٍ إلا أنبأْتهُم بهِ"   رواه مسلم
1 7:23:00 ص

ولما فرغ رسول الله صلي الله عليه وسلم من أمر بيت المقدس ،نصب له المعراج فصعد فيه إلى السماء ،ولم يكن الصعود على البراق ،بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة ،وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :
" فانطلقتُ مع جبريلَ حتى أتينا السماءَ الدنيا، قيل : من هذا؟ قال جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على آدمَ فسلمتُ عليه، فقال مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ
فأتينا السماءَ الثانيةَ، قيل: من هذا، قال: جبريل، قيل: من معك؟، قال محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيت على عيسى ويحيى فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ
فأتينا السماءَ الثالثةَ, قيل: من هذا، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على يوسفَ فسلمتُ عليه، قال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ
فأتينا السماءَ الرابعةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: ـ محمدٌ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قيل: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على إدريسَ فسلمتُ عليه فقال: مرحبًا من أخٍ ونبيٍّ
فأتينا السماءَ الخامسةَ ، قيل: من هذا؟، قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتينا على هارونَ فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ


فأتينا على السماءَ السادسةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على موسى فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ، فلما جاوزتُ بكى، فقيل: ما أبكاكَ؟، قال: يا ربِّ هذا الغلامُ الذي بُعِثَ بعدي ، يدخلُ الجنةَ من أمتِه أفضلُ مما يدخُلُ من أمتي
فأتينا السماءَ السابعةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، مرحبًا به ونِعمَ المجيءُ جاءَ ، فأتيتُ على إبراهيمَ فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ، فرُفِعَ لي البيتُ المعمورُ، فسألت جبريلَ فقال: هذا البيتُ المعمورُ، يصلي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخِرَ ما عليهم

ورفعت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نبقُها كأنه قلالُ هجرَ، وورقَها كأنه آذانُ الفيلة ،و في أصلِها أربعةُ أنهارٍ: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألتُ جبريلَ، فقال: أما الباطنان ففي الجنةِ، وأما الظاهران النيلُ والفراتُ، ثم فرضت عليَّ خمسون صلاةً، فأقبلتُ حتى جئتُ موسى فقال: ما صنعتَ، قلتُ : فرضت عليَّ خمسون صلاةً، قال : أنا أعلمُ بالناسِ منك، عالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ، وإن أُمتَّك لا تُطيقُ، فارجع إلى ربِّك فسلْه، فرجعتُ فسألتُه، فجعلَها أربعين، ثم مثلَه، ثم ثلاثين، ثم مثلَه، فجعل عشرين، ثم مثلَه ، فجعلَ عشْرًا، فأتيتُ موسى فقال: مثلَه ، فجعلها خمسًا، فأتيتُ موسى فقال: ما صنعتَ، قلتُ جعلَها خمسةً، فقال مثلَه: قلتُ:(ٍقد استحييت من ربي،ولكني أرضي وأسلم )فنوديَ: إني قد أمضيتُ فريضتي وخفَّفتُ عن عبادي، وأجزي الحسنةَ عشْرًا ) في الصحيحين

عَن عبدِ اللَّهِ بن مسعود قالَ : لمَّا أُسْريَ برسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ انتُهيَ بِهِ إلى سدرةِ المنتَهَى ، وَهيَ في السَّماءِ السَّادسةِ ، إليها ينتَهي ما يعرجُ بِهِ منَ الأرضِ ، فيقبِضُ منها ، وإليها ينتَهي ما يُهْبِطُ بِهِ مِن فوقِها فيقبِضُ منها ، قالَ : ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) [ النجم : 16 ] قالَ : فِراشٌ من ذَهَبٍ ، قالَ : فأُعْطيَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ثلاثًا : أُعْطيَ الصَّلواتِ الخمسَ ، وأُعْطيَ خواتيمَ سورةِ البقرةِ ، وغُفِرَ لمن لم يشرِكْ باللَّهِ من أمَّتِهِ شيئًا ، المُقْحِماتُ(وهي الكبائر التى تهلك أصحابها وتوردهم النار)
مسلم
ولقد رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عند سدرة المنتهى في صورته الحقيقية ، له ستمائة جناح كل جناح منها سد الأفق يسقط من جناحه من التهاويل (أي الأشياء المختلفة اﻷلوان ) ،والدر والياقوت ماالله به عليم
محمد بن عبد الوهاب

وفي قولِه تعالى : { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} قال ابنُ مسعودٍ أنه: يعني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، رأَى جبريلَ، له سِتُمِائَةِ جَناحٍ .
البخاري
ثم أدخل الجنة ،فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك وعرج به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته المباركة الكوثر، وهو نهرٌ خصه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم إكرامًا له، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت ما هذا يا جبريل، قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر ) رواه البخاري .

وشاهد صلوات الله وسلامه عليه الجنة ونعيمها، وفي المقابل، وقف على بعض أحوال الذين يعذّبون في نار جهنم، ومنهم الذين يقعون في الغيبة ويخوضون في أعراض المسلمين، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: ( لما عُرِجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ) صحيح الجامع

ورأى أقوامًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فسأل عنهم جبريل ،فقال له جبريل عليه السلام-: ( الخطباء من أمتك ، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟ ) صححه الألباني .

0 6:06:00 ص
اﻹسراء و المعراج ..رحلة النبى صلى الله عليه وسلم إلى السماء (الجزء الأول )


عانى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ألوانًا كثيرةً مِن المحن التي لاقاها مِن قريش، خاصة بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجته الوفية السيدة خديجة رضي الله عنها، وكان آخر هذه المعاناة عند عودته من الطائف مهموم النفس لِما ناله من الأذى من أهل الطائف، وفي هذه الغمرة من المآسي والأحزان، وصدود القوم عن الإيمان، ومحاربة الدعوة الإسلامية بكل الوسائل والطرق، كان من رحمة الله بعبده ونبيه صلوات الله وسلامه عليه أن سرّي عن فؤاده المحزون، فكانت معجزة ورحلة الإسراء والمعراج .

والإسراء: هو إذهاب الله نبيه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بإيلياء ، مدينة القدس ، في جزء من الليل، ثم رجوعه من ليلته
والمعراج: هو إصعاده صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى السموات السبع، وما فوق السبع، حيث فرضت الصلوات الخمس، ثم رجوعه إلى بيت المقدس في جزء من الليل .

والإسراء ثابت بالقرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة المتكاثرة، أما القرآن ففي قوله سبحانه: { سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }(الإسراء الآية: 1 )

وأما المعراج فهو ثابت بالأحاديث الصحيحة التي رواها الثقات العدول، وتلقتها الأمة بالقبول، ولو لم يكن إلا اتفاق صاحبي الصحيحين: البخاري ومسلم على تخريجها في صحيحيهما لكفى، فما بالنا وقد خرّجها غيرهما من أصحاب كتب الحديث المعتمدة، وكتب السير المشهورة، وكتب التفاسير المأثورة
ولقد كان الإسراء والمعراج بالجسد والروح ، وجمهور العلماء ،سلفا وخلفا ، على أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة، وأنهما كانا في اليقظة بجسده وروحه ،صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي يدل عليه قوله تعالى في مفتتح سورة الإسراء: { سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ }، إذ ليس ذلك إلا الروح والجسد

وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رؤيا عين بالروح والجسد ،فقد قال:
( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) الإسراء :60
قال:هي رؤيا عينٍ ، أُرِيَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليلةً أُسْرِيَ به إلى بيتِ المقدسِ، قال:(والشجرة الملعونة في القرآن ) قال: هي شجرةُ الزقومِ.
البخاري
وفي تفصيل هذه الرحلة المباركة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ:
"بينما أنا عند البيتِ بين النائمِ واليقْظانِ . إذ سمعتُ قائلًا يقولُ : أحدُ الثلاثةِ بين الرجلين . فأتيتُ فانطلق بي . فأتيتُ بطَستٍ من ذهبٍ فيها من ماءُ زمزمَ . فشُرح صدري إلى كذا وكذا . فاستخرج قلبي . فغسلَ بماء زمزمَ . ثم أُعيدَ مكانَه . ثم حشِي إيمانًا وحكمةً . ثم أتيتُ بدابةٍ أبيضَ يقالُ له البراقُ . فوق الحمارِ ودون البغلِ . يقع خطوُهُ عند أقصى طرفِه
مسلم

ولقد أُتِيَ بالبراق مُلَجَّمًا مُسَرَّجًا، فاستَصْعَبَ علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له جبريلُ : أَبِمُحَمَّدٍ تفعلُ هذا ؟ ! فما رَكِبَكَ أحدٌ أَكْرَمَ على اللهِ منه، قال : فارْفَضَّ عَرَقًا .
صححه الألباني

فركبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق به، حتى أتي بيت المقدس فربـطـه بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخل المسجد فوجد فيه الأنبياء قد جمعوا له ،فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلي بهم ركعتين

ثمَّ أُتي بإناءينِ : في أحدِهِما لبنٌ وفي الآخرِ خمرٌ ، فقالَ له جبريل : اشرَب أيَّهما شئتَ ، فأخذتُ اللَّبنَ فشَرِبْتُهُ ، فقالَ : أخذتَ الفطرةَ أما إنَّكَ لو أخذتَ الخمر غوت أمتك"
البخاري

 ولما فرغ رسول الله صلي الله عليه وسلم من أمر بيت المقدس ،نصب له المعراج فصعد فيه إلى السماء ،ولم يكن الصعود على البراق ،بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة ،وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :
" فانطلقتُ مع جبريلَ حتى أتينا السماءَ الدنيا، قيل : من هذا؟ قال جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على آدمَ فسلمتُ عليه، فقال مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ
فأتينا السماءَ الثانيةَ، قيل: من هذا، قال: جبريل، قيل: من معك؟، قال محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيت على عيسى ويحيى فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ
فأتينا السماءَ الثالثةَ, قيل: من هذا، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على يوسفَ فسلمتُ عليه، قال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ
فأتينا السماءَ الرابعةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: ـ محمدٌ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قيل: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على إدريسَ فسلمتُ عليه فقال: مرحبًا من أخٍ ونبيٍّ
فأتينا السماءَ الخامسةَ ، قيل: من هذا؟، قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتينا على هارونَ فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ
فأتينا على السماءَ السادسةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على موسى فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ، فلما جاوزتُ بكى، فقيل: ما أبكاكَ؟، قال: يا ربِّ هذا الغلامُ الذي بُعِثَ بعدي ، يدخلُ الجنةَ من أمتِه أفضلُ مما يدخُلُ من أمتي
فأتينا السماءَ السابعةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، مرحبًا به ونِعمَ المجيءُ جاءَ ، فأتيتُ على إبراهيمَ فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ، فرُفِعَ لي البيتُ المعمورُ، فسألت جبريلَ فقال: هذا البيتُ المعمورُ، يصلي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخِرَ ما عليهم

ورفعت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نبقُها كأنه قلالُ هجرَ، وورقَها كأنه آذانُ الفيلة ،و في أصلِها أربعةُ أنهارٍ: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألتُ جبريلَ، فقال: أما الباطنان ففي الجنةِ، وأما الظاهران النيلُ والفراتُ، ثم فرضت عليَّ خمسون صلاةً، فأقبلتُ حتى جئتُ موسى فقال: ما صنعتَ، قلتُ : فرضت عليَّ خمسون صلاةً، قال : أنا أعلمُ بالناسِ منك، عالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ، وإن أُمتَّك لا تُطيقُ، فارجع إلى ربِّك فسلْه، فرجعتُ فسألتُه، فجعلَها أربعين، ثم مثلَه، ثم ثلاثين، ثم مثلَه، فجعل عشرين، ثم مثلَه ، فجعلَ عشْرًا، فأتيتُ موسى فقال: مثلَه ، فجعلها خمسًا، فأتيتُ موسى فقال: ما صنعتَ، قلتُ جعلَها خمسةً، فقال مثلَه: قلتُ:(ٍقد استحييت من ربي،ولكني أرضي وأسلم )فنوديَ: إني قد أمضيتُ فريضتي وخفَّفتُ عن عبادي، وأجزي الحسنةَ عشْرًا ) في الصحيحين

عَن عبدِ اللَّهِ بن مسعود قالَ : لمَّا أُسْريَ برسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ انتُهيَ بِهِ إلى سدرةِ المنتَهَى ، وَهيَ في السَّماءِ السَّادسةِ ، إليها ينتَهي ما يعرجُ بِهِ منَ الأرضِ ، فيقبِضُ منها ، وإليها ينتَهي ما يُهْبِطُ بِهِ مِن فوقِها فيقبِضُ منها ، قالَ : ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) [ النجم : 16 ] قالَ : فِراشٌ من ذَهَبٍ ، قالَ : فأُعْطيَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ثلاثًا : أُعْطيَ الصَّلواتِ الخمسَ ، وأُعْطيَ خواتيمَ سورةِ البقرةِ ، وغُفِرَ لمن لم يشرِكْ باللَّهِ من أمَّتِهِ شيئًا ، المُقْحِماتُ(وهي الكبائر التى تهلك أصحابها وتوردهم النار)
مسلم

ولقد رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عند سدرة المنتهى في صورته الحقيقية ، له ستمائة جناح كل جناح منها سد الأفق يسقط من جناحه من التهاويل (أي الأشياء المختلفة اﻷلوان ) ،والدر والياقوت ماالله به عليم
محمد بن عبد الوهاب
اقرأ أيضا :في اسلافنا يكمن النجاح...نماذج مشرفة فى الاسلام


وفي قولِه تعالى : { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} قال ابنُ مسعودٍ أنه: يعني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، رأَى جبريلَ، له سِتُمِائَةِ جَناحٍ .
البخاري
ثم أدخل الجنة ،فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك وعرج به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته المباركة الكوثر، وهو نهرٌ خصه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم إكرامًا له، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت ما هذا يا جبريل، قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر ) رواه البخاري .

وشاهد صلوات الله وسلامه عليه الجنة ونعيمها، وفي المقابل، وقف على بعض أحوال الذين يعذّبون في نار جهنم، ومنهم الذين يقعون في الغيبة ويخوضون في أعراض المسلمين، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: ( لما عُرِجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ) صحيح الجامع

ورأى أقوامًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فسأل عنهم جبريل ،فقال له جبريل عليه السلام-: ( الخطباء من أمتك ، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟ ) صححه الألباني .
وقد ذكر غير واحد من الصحابة والسيدة عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يرى ربه في رحلة الإسراء والمعراج ،فعن أبي ذر رضى الله عنه قال :
قلت يا رسول الله‏:‏ هل رأيت ربك‏؟‏
فقال‏:‏ ‏(‌‏(‏نورٌ أنَّى أراه‏)‌‏)‌‏.‏
وفي رواية‏:‏ ‏(‌‏(‏رأيت نوراً‏)‌‏)‌‏.‏
مسلم
قال ابن حبان : معناه أنه لم ير ربه ولكن رأى نورا علويا من الأنوار المخلوقة

وعن مسروق قال: (سألت عائشة رضي الله عنها ،هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟
فقالت: سبحان الله؛ لقد قف شعري لما قلت
قالت: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
قال: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني؛ ألم يقل الله عز وجل {ولقد رآه بالأفق المبين} {ولقد رآه نزلة أخرى}.
فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض.
فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} أو لم تسمع أن الله يقول {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم}
مسلم
كيف ستتلقى قريش هذا الخبر ،وهل ستصدقه بالتأكيد لا ،هذا ماكان يفكر به الرسول صلى الله عليه وسلم لما أصبح ،فعن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لمَّا كان ليلةَ أُسْرِيَ بي وأصبحتُ بمكةَ فظعتُ بأمري وعرفتُ أنَّ الناسَ مُكذِّبيَّ فقعد معتزلًا حزينًا قال : فمرَّ عدوُّ اللهِ أبو جهلٍ فجاء حتى جلس إليهِ فقال لهُ كالمستهزئِ : هل كان من شيْءٍ
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :" نعم" ، قال : ما هو
قال : "إنَّهُ أُسْرِيَ بي الليلةَ " ، قال : إلى أين قال :" إلى بيتِ المقدس"ِ
قال : ثم أصبحتَ بين ظهرانيْنا ، قال :" نعم "
قال : فلم يَرَ أنَّهُ يكذبُهُ مخافةَ أن يجحدَهُ الحديثَ إذا دعا قومَهُ إليه ،ِ قال : أرأيتَ إن دعوتُ قومك تُحدِّثهم ما حدَّثتني
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :" نعم " ، فقال : هيَّا معشرَ بني كعبِ بنِ لؤيٍّ
قال : فانتفضتْ إليهِ المجالسُ وجاءوا حتى جلسوا إليهما ، قال : حدِّث قومك بما حدَّثتني
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :" إني أُسْرِيَ بي الليلةَ "
قالوا : إلى أين ؟
قالَ : "إلى بيتِ المقدس" ، ِ قالوا : ثم أصبحتَ بين ظهرانينا ، قال :" نعم "
قال : فمن بين مصفِّقٍ ومن بين واضعٍ يدَهُ على رأسِهِ متعجِّبًا للكذبِ
قالوا : وهل تستطيعُ أن تنعتَ لنا المسجدَ
وفي القومِ من قد سافرَ إلى ذلك البلدِ ورأى المسجدَ
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : "فذهبتُ أنعتُ فما زلتُ أنعتُ حتى التبس عليَّ بعضَ النعتِ" قال : "فجئ بالمسجدِ وأنا أنظرُ حتى وضع دون دارِ عقالٍ أو عقيلٍ فنعتُّهُ وأنا أنظرُ إليه"
قال : فقال القومُ : أما النعتُ فواللهِ لقد أصاب
مسند أحمد

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"لقد رأيتني في الحجْرِ . وقريشٌ تسألُنِي عن مسرايَ . فسألتني عن أشياءَ من بيتِ المقدسِ لم أثبتها . فكُرِبتُ كربةً ما كُربتُ مثلهاً قط
قال :فرفعهُ اللهُ لي أنظرُ إليهِ . ما يسألوني عن شيءٍ إلا أنبأْتهُم بهِ"
رواه مسلم
0 10:58:00 م
أمهات المؤمنين ....السيدة مارية القبطية رضي الله عنها
السيدة مارية القبطية رضي الله عنها
هي ماريا بنت شمعون رضي الله عنها ، ولدت رضي الله عنها في صعيد مصر وقد أمضت رضي الله عنها شبابها الباكر في قريتها إلى أن انتقلت إلى بيت المقوقس عظيم القبط و ملك مصر
وهي ليست من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم و لكن من سراريه هي والسيدة ريحانة رضي الله عنهما
قدمت مارية رضي الله عنها إلى المدينة المنورة بعد صلح الحديبية في سنة سبع من الهجرة ، وذكر المفسرون أن اسمها مارية بنت شمعون القبطية، فبعد أن تم صلح الحديبية بين الرسول صلى الله عليه و سلم وبين المشركين في مكة، بدأ الرسول في الدعوة إلى الإسلام

وكتب الرسول صلى الله عليه وسلم كتبا إلى ملوك العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، واهتم بذلك اهتماماً كبيراً، فاختار من أصحابه من لهم معرفة و خبرة، وأرسلهم إلى الملوك، ومن بين هؤلاء الملوك هرقل ملك الروم، و كسرى ملك فارس،و المقوقس ملك مصر و النجاشي ملك الحبشة

تلقى هؤلاء الملوك الرسائل وردوا عليها رداً جميلا، ما عدا كسرى ملك فارس، الذي مزق الكتاب فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمزق الله ملكه
ولقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى المقوقس حاكم الإسكندرية والنائب العام للدولة البيزنطية في مصر، وكان حاطبا رضي الله عنه معروفاً بحكمته وبلاغته وفصاحته.

فأخذ حاطب كتاب الرسول صلى الله عليه و سلم إلى مصر وبعد ان دخل على المقوقس الذي رحب به. واخذ يستمع إلى كلمات حاطب، واُعجب المقوقس بمقالة حاطب، فقال لحاطب: " إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهودٍ فيه، ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجدهُ بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة وسأنظر"

و أخذ المقوقس كتاب النبي صلى الله عليه و سلم وختم عليه، وكتب إلى النبي صلى الله عليه و سلم بأنه قرأ كتابه وأكرم رسوله وبعث إليه بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم ، وبعث أيضا بألف مثقال ذهب وعشرين ثوبا ،وبغلة ليركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بغلته "دلدل"

وكانت جاريتين هما: مارية بنت شمعون القبطية وأختها سيرين. وفي طريق عودة حاطب رضي الله عنه إلى المدينة، عرض على ماريه رضي الله عنها وأختها الإسلام ورغبهما فيه، فأكرمهما الله بالإسلام.

وفي المدينة، أختار الرسول صلى الله عليه و سلم مارية لنفسه، ووهب أختها سيرين لشاعره الكبير حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه ، و كانت ماريه رضي الله عنها جميلة الطلعة ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أنزلها أول ما قدم بها في بيتٍ لحارثة بن النعمان رضي الله عنه ،بالقرب من بيوت أزواجه رضي الله عنهن ، ثم حولها إلى العالية(منطقة في المدينة المنورة)، وكان يذهب إليها هناك
اقرأ أيضا :أمهات المؤمنين ..... السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها
وبعد مرور عام على قدوم السيدة مارية رضي الله عنها إلى المدينة، حملت رضي الله عنها بإبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم لسماع هذا الخبر ، وولدت مـارية رضي الله عنها في "شهر ذي الحجة من السنة الثامنة للهجرة النبوية الشريفة"، طفلاً جميلاً ، وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم، " تيمناً بأبيه إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام" وبهذه الولادة أصبحت مـارية حرة .

وعاش إبراهيم رضي الله عنه ابن الرسول صلى الله عليه و سلم سنة وبضع شهور يحظى برعاية رسول الله صلى الله عليه و سلم وحبه ، ولكنه مرض قبل أن يكمل عامه الثاني، وذات يوم اشتد مرضه، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله ، ثم دخل عليه وهو ينازع فرفعه إليه ، ومات إبراهيم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فبكى عليه ودمعت عيناه ، وكان معه عبد الرحمن بن عوف فقال له : أتبكي يارسول الله؟
فرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنها رحمة " ثم قال : " إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون "
(البخاري)

ومات إبراهيم رضي الله عنه وهو ابن ثمانية عشر شهراً، " وكانت وفاته يوم الثلاثاء لعشر ليال خلت من ربيع الأول سنة عشر من الهجرة النبوية المباركة"، ودفن بالبقيع وحزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا ،وحزنت السيدة مارية رضي الله عنها عليه حزناً شديداً
وخسفت الشمس يوم ان مات واعتقد الناس ان ذلك كان لموت ابراهيم فخرج عليهم النبى صلى الله عليه وسلم قائلا :" ان الشمس والقمر من آيات الله ، وإنهما لاينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فاذا رأيتموهما فكبروا ، وادعوا الله وصلوا وتصدقوا حتى يكشف عنكم " وصلى بهم صلاه الخسوف      البخاري ومسلم

وقد توفي الرسول صلى الله عليه و سلم وهو راض عن السيدة مـارية رضي الله عنها ،والتي تشرفت بالبيت النبوي الطاهر، وعدت من أهله، وكانت رضي الله عنها شديدة الحرص على اكتساب مرضاة الرسول صلى الله علية وسلم، كما عرفت بدينها وورعها وعبادتها.

ولقد عاشت رضي الله عنها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقارب الخمس سنوات في ظلال الخلافة الراشدة، ثم توفيت في السنة السادسة عشر من محرم. ولقد دعا عمر رضي الله عنه الناس وجمعهم للصلاة عليها ، و كان يجمعهم ويحشرهم بنفسه لحضور جنازتها . فاجتمع عدد كبير من الصحابة من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم ، ليشهدوا جنازة مـارية القبطية رضي الله عنها ، وصلى عليها عمر رضي الله عنه ودفنت رضي الله عنها في البقيع، إلى جانب نساء أهل البيت النبوي، وإلى جانب ابنها إبراهيم رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم


0 4:42:00 ص
TvQuran
,